يواجه الاقتصاد العالمي تحديات متزايدة مع تصاعد التهديدات بفك الارتباط بين أمريكا والصين، أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، حيث لن تقتصر نتائج هذا التوجه على النزاعات التجارية فقط، بل ستمتد إلى مجالات التكنولوجيا وسلاسل التوريد، ما قد يعيد تشكيل النظام الاقتصادي العالمي بشكل جذري. وبينما تسعى واشنطن للحد من اعتمادها على الاقتصاد الصيني، تعمل بكين على تعزيز استقلالها الاقتصادي، الأمر الذي قد يٌؤدي إلى اضطراب الأسواق العالمية وارتفاع تكاليف الإنتاج.
العلاقات التجارية بين واشنطن وبكين على المحك
حذَّر الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، من التداعيات الخطيرة لفك الارتباط الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، مؤكِّدًا أنّ هذا الاتجاه يُمكن أن يؤدي إلى اضطرابات واسعة في سلاسل التوريد العالمية، ويؤثر سلبًا في النمو الاقتصادي الدولي.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ\”إيكونبيديا\” أنَّ العلاقات التجارية بين واشنطن وبكين تُعَدُّ من أكبر الشراكات الاقتصادية في العالم، حيث يعتمد العديد من القطاعات الصناعية والتكنولوجية على التكامل بين القُوّتين الاقتصاديتين، وأيّ محاولة لفصل الاقتصادين ستؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، مما ينعكس على الأسعار عالميًا ويزيد من معدلات التضخم.
وأشار إلى أنَّ الشركات متعددة الجنسيات ستواجه تحديات كبيرة في حال تصاعد الحرب التجارية، خاصة تلك التي تعتمد على المكوِّنات الصينية في عمليات الإنتاج. كما أنَّ فرض المزيد من القيود على الصادرات التكنولوجية سيؤثر في الابتكار والنمو في قطاع التكنولوجيا، مما قد يؤدي إلى تباطؤ التقدم في مجالات الذكاء الاصطناعي والاتصالات المتقدمة.
كما لفت الخبير إلى أنَّ الاقتصادات الناشئة ستكون الأكثر تأثرًا بسياسات فكّ الارتباط، نظرًا لاعتمادها على الاستثمار الأجنبي وسلاسل التوريد التي تشمل الولايات المتحدة والصين؛ فقد يؤدي تراجع التعاون بين البلدين إلى انقسام الاقتصاد العالمي إلى تكتُّلات اقتصادية متنافسة، مما يعمّق حالة عدم اليقين في الأسواق المالية.
وأكَّد الخبير أنَّ الحل يكمن في تعزيز الحوار الاقتصادي بين القوى الكبرى لتجنب الدخول في صراع اقتصادي طويل الأمد، مشيرًا إلى أنَّ التعاون يظل الخيار الأفضل لضمان استقرار الاقتصاد العالمي وتحقيق نمو مستدام يعود بالنفع على جميع الدول.
اقرأ أيضًا: تأثير الحرب التجارية الأمريكية الصينية في اقتصاد الشرق الأوسط
الخسائر المُحتملة: من يدفع ثمن فك الارتباط بين أمريكا والصين؟
من جانبها، أكَّدت الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، أنَّ فكّ الارتباط الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين ليس مجرد احتمال نظري، بل هو واقع يحدث تدريجياً، مشيرةً إلى أنّ أيّ انفصال مفاجئ وكامل بين أكبر اقتصادين في العالم سيكون له تداعيات كارثية على الأسواق العالمية.
وأوضحت الشافعي في تصريحات خاصة لـ\”إيكونبيديا\” أنَّ تنفيذ فك الارتباط بين أمريكا والصين بهذا الشكل أمر غير واقعي، حيث تُشير التقديرات إلى أنَّ الاقتصاد الأمريكي قد يخسر نحو 5% من ناتجه المحلي الإجمالي إذا تمَّ قطع العلاقات التجارية مع الصين دفعة واحدة.
وقالت: \”هٌناك اعتماد متبادل كبير بين البلدين، فالولايات المتحدة تستورد من الصين كمِّيات هائلة من المعادن النادرة، وهي عنصر أساسي في الصناعات التكنولوجية الحديثة، كما أنَّ شركات أمريكية كبرى، مثل آبل، تعتمد بشكل رئيسي على سلاسل التوريد الصينية، مما يجعل من الصعب إيجاد بدائل سريعة دون تكبد خسائر هائلة\”.
وأضافت: \”حتى الزراعة الأمريكية قد تتأثر بشدة، حيث تُعَدُّ الصين من أكبر المستوردين للمنتجات الزراعية الأمريكية، مثل فول الصويا والذرة، وبالتالي فإنَّ أيَّ قرار غير مدروس بفكّ الارتباط قد يُؤثر بشكل كبير في قطاعات اقتصادية واسعة\”.
وأشارت الدكتورة مروة الشافعي إلى أنَّ العملية تحدث بشكل تدريجي، مؤكّدة أنَّ البيانات الاقتصادية تعكس هذا التوجُّه؛ ففي عام 2015، كانت الصين تمثل حوالي 20% من إجمالي الواردات الأمريكية، أمّا اليوم فقد انخفضت هذه النسبة إلى 15%، مما يعني أنَّ فكّ الارتباط يحدث بالفعل، لكنَّه يتمّ على مدى زمني طويل لتجنب الأضرار الفورية\”.
وأضافت أنَّ كلًّا من الصين والولايات المتحدة تسعيان إلى تقليل الاعتماد المتبادل؛ حيث تبحث الولايات المتحدة عن بدائل للمنتجات الصينية، بينما تعمل الصين على تعزيز تحالفاتها التجارية مع دول أخرى مثل روسيا والهند ودول \”بريكس\”.
التبعات الجيوسياسية.. صراع الهيمنة التكنولوجية بين واشنطن وبكين
تطرَّقت الشافعي إلى البعد السياسي والتكنولوجي لفك الارتباط، مشيرةً إلى أنَّ الولايات المتحدة تسعى إلى كبح تقدُّم الصين التكنولوجي من خلال فرض قيود صارمة على تصدير أشباه الموصلات والتكنولوجيا المتقدمة.
وقالت: \”الولايات المتحدة لا تريد أن تُصبح الصين قوة تكنولوجية مهيمنة، لذلك نشهد قيودًا متزايدة على تصدير التكنولوجيا إليها، مثل القيود التي فُرضت على شركة هواوي، والتي أثرت على قدرتها في تطوير الهواتف الذكية والبنية التحتية للاتصالات\”.
وأضافت أنَّ الولايات المتحدة تمنع أيضًا الاستثمارات الصينية في الشركات التكنولوجية الأمريكية، مما يعكس رغبتها في الحد من وصول الصين إلى التقنيات المُتَقَدِّمة.
اطّلع على تفاصيل الحرب التجارية: الصين ترد على الرسوم الأمريكية بتصعيد جديد
تأثير فكّ الارتباط في الاقتصاد العالمي
أشارت الشافعي إلى أنَّ الاقتصاد العالمي بدأ يشعر بتأثير التوتُّرات بين واشنطن وبكين، قائلة: \”الولايات المتحدة والصين تُمَثِّلان معًا أكثر من 40% من الاقتصاد العالمي، وإنّ أيّ اضطراب في العلاقة بينهما سينعكس على الأسواق العالمية، وهذا يحدث بالفعل، حيث بدأنا برؤية التباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي الذي يُتوقع أن ينخفض إلى 2.7% بحلول 2025، مقارنة بمعدلات أعلى في السنوات السابقة\”.
وأضافت الخبيرة أنَّ هذه التوتُّرات تؤدي إلى اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع الأسعار، مما يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية ويؤثر في تدفقات الاستثمار.
وفيما يتعلق بمستقبل الاقتصاد العالمي، قالت الشافعي إنَّ فك الارتباط قد لا يؤدي إلى الاكتفاء الذاتي لكل دولة، لكنَّه يساهم في إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي عبر ظهور تكتلات اقتصادية جديدة، ونحن \”نشهد بالفعل إعادة توزيع للعلاقات التجارية العالمية؛ فبينما تتراجع التجارة بين الولايات المتحدة والصين، نرى أنَّ العلاقات التجارية بين أمريكا والدول الغربية تزداد قوة\”.
وأضافت: \”من ناحية أخرى، نرى أنّ الصين تُعزز تحالفاتها مع دول \”بريكس\” وشركائها الآسيويين، وهذا يعني أننا نتجه نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب بدلاً من الاعتماد على قطب اقتصادي واحد\”.
علاوة على ذلك، أشارت الخبيرة إلى أنَّ هناك اتجاهًا متزايدًا نحو التكتلات الإقليمية، مثل \”ميركوسور\” في أمريكا اللاتينية، ومحاولات أفريقيا لتعزيز التكامل الاقتصادي بين دول القارة، كما أننا سنشهد خلال السنوات القادمة مزيدًا من التحرُّكات لفك الارتباط التدريجي، لكن لا يمكن تصوُّر انفصال كامل دون تأثيرات اقتصادية كارثية\”.
ومن جهتها، ترى الشافعي أنّ العالم يتجه نحو مرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية، حيث ستُعيد الدول تقييم تحالفاتها التجارية وفقًا لمصالحها الاستراتيجية.
وأخيرًا، اختتمت تصريحاتها بالتأكيد على أنَّ فكّ الارتباط بين الولايات المتحدة والصين يحدث بالفعل، لكنّه لن يكون انفصالًا كاملاً في المستقبل القريب.
موضوعات هامة: صراع أمريكي-تايواني على صناعة الرقائق وتهديدات ترامب بالتعريفات








